Friday, 20 November 2015

أول الغيث... جود


غالباً ما نتعامل مع أطفالنا بفوقيّة العارف، بعقليّة المربّي، ونتوقّع منهم التّلقّي بحدٍّ أدنى من النّقاش.

ولكن يحصل أن نفاجأ نحن الأهل بخصائص متفرّدة في بعض أطفالنا. بخصالٍ لا فضل لنا فيها ولا دور. لربّما نتنبّه ونعمل على تعزيز هذه الخصال، لكن لا فضل لنا فيها.

في عمر السّنتين لاحظت أن ابني جود يُكثر من شرب الماء. على خلاف الأطفال بعمره، كان يرفض شرب العصائر وتناول الحلويات وكان ولا يزال الماء مطلبه الأوّل والأكثر إلحاحاً على المائدة.

خفت على الصّبيّ من عوارض مَرضيّة ممكنة فعرضتُه على الطّبيب الذي أكّد ولله الحمد اكتمال العافية.

لكنّ جود استمرّ في حرصه على مطلبه الأوّل والأساسيّ كيفما تحرّك: عبوة الماء.

لذلك لم نستغرب كثيراً ردّ فعله يوم كان يطالع صور بعض رحلات والده وبينها صور في دولة النّيجر الإفريقية. قال له أبوه: "أهل النّيجر فقراء لدرجة أنّهم لا يحصلون على مياه شربٍ نظيفة."

كان عمر جود خمس سنواتٍ حينها لكنّ هذه الجملة البسيطة سكنته على مدى العامين اللاحقين. إعتقدنا أنّه هوسٌ طفوليّ وراهنّا على زواله مع الأيّام. لكنّ جود كان قد عزم وبدأ بالفعل ما أسماه "مشروع النّيجر"
“My Niger project”

على مدى سنتين كان جود يحتفظ بكلّ قرشٍ يحصل عليه أو يقنع أحد الأصدقاء بالتبرّع له، وكان يرسم على أوراق كبيرة خرائط تصف كيف سيوصل غالونات من الماء إلى النّيجر. كانت تؤرقه كلفة تذكرة الطائرة وكنّا نضحك من مخطّطاته الطّفوليّة بالقول إنّنا سنتكفّل بدفع ثمن الرّحلة. كان "مشروعه" نكتة العائلة لكنّه كان مشروعه الجادّ الذي لم ينفكّ يفكّر به ويخطّط له.

في عيد ميلاد السيّد جود السّابع أردنا منحه الهديّة التي تعني له الكثير. كان صار في حوزته أربعمئة وستّة وسبعون دولاراً أميركيّاً، أخذناها وأضفنا إليها.

اليوم يُبصر "مشروع النّيجر" النّور! بئر مياهٍ عذبةٍ بمضخّةٍ يدويّة في إحدى قرى النّيجر الفقيرة، بمال جود، بمساهمة منّا وبإشراف جمعيّة دبي الخيريّة.

لا فضل لنا في هذه البسمة على وجوه بعض فقراء النّيجر.

لا فضل لنا في قطرة الماء هذه التي أمضى جود سنتين من عمره الصغير يخطّط لإيصالها لمستحقّيها.

الفضل لجود. الإسم على المُسَمّى.





Thursday, 23 July 2015

كزهر اللوتس...


 

"وين أحسن؟ هون أو هونيك؟"
 

في كلّ مرّةٍ يطرح هذا السّؤال على أطفالي أراهم ينظرون إليّ كمن وقع في الفخّ. فهُم إمّا لا يملكون الإجابة الشّافية، وإمّا لديهم تصوّر عن المكان "الأحسن" ولا يريدون الإفصاح عنه لأنّهم على صغر سنّهم يعرفون أنّها تعني ما يشبه الخيانة أو التّخلّي عن أحد المكانين.

مللت من تعداد المرّات التي طُرح فيها هذا السّؤال علينا أنا وأولادي. وبتّ أتحسّب للمرّات الجديدة التي سأسمعه فيها.

سؤالٌ كلّيٌّ عامٌّ لا يحتمل إجابةً إلا بغمغمةٍ غير مفهومةٍ ولا تشفي الغليل.

"وين أحسن" قصّة طويلة، لها عشرات العناوين ومئات الأجوبة.

عندما استفسَر ابني ببراءة: "متى سننتقل إلى منزلٍ جديد؟" شعرت بمرارةٍ شديدة. أولادي اعتادوا أن نُغيّر منزلنا كلّ سنةٍ أو عدّة سنوات. إعتادوا الذّهاب إلى مدرسةٍ جديدةٍ والبدء في علاقاتٍ جديدةٍ مع أصدقاء جددٍ كلّ عدّة سنوات. ما أشعرني بالمرارة هو أنّ أطفالي لن يختبروا ما اختبرته من العيش في البيت الذي ولدوا فيه، محاطين بالأهل والجيران الذين شهدوا شقاوة طفولتهم ونزوة شبابهم. لن يكبروا مع أصدقاء طفولتهم بل قد لا يرونهم ثانيةً أبداً!

لكنّ هذا التّرحال سببه بالذّات البحث عن هذا "الأحسن"!

وأين هو هذا الأحسن؟

 هو المكان الذي أطالُه ويطالني، حيث أشعر بأنّني أمتلك يومي وغدي وآمَن على نوم أولادي وصحوهم.

هو حيث أستطيع أن أنعم بلمسة من أحبّ عندما يداهمني الصّداع أو أن أمتلك القدرة على زيارة ضريح والديّ عندما يهفّ قلبي إليهما.

الأحسن؟ هو مستقبل أطفالي، أكاديميّاً ومهنيّاً وعائليّاً. لم أحظَ كما لم يحظَ أولادي بمكانٍ واحدٍ يجمع كل ما سبق.

الجغرافيا التي تضمّ قلوبنا أنا وأولادي تضنّ علينا بالأمان... والمكان الذي نأمن فيه على يومنا وغدنا يفتقد ماضينا ونطفو على سطح أيّامه كزهرة اللوتس بلا جذور.






 

Friday, 3 July 2015

زمن داعشي


 

زحمة السير لا تُطاق. ساعتان لوجهة لا يتطلب الوصول إليها أكثر من خمس عشرة دقيقة... قيل لنا أن السبب تشييع أحد ضباط الجيش اللبناني الذين قضوا في المواجهات مع "داعش".

وفي المساء كان الوصول إلى منزل العائلة في ضاحية بيروت الجنوبية أشبه برحلة داخل لعبة المتاهة. ندخل من زاروب لنخرج من آخر تلافياً للوقوف الطويل على حواجز تفتيش السيارات. "إجراءات أمنية مشدّدة".

 إنها داعش مجدّداً. وهل يخفى الوحش؟

في واحد من شوارع العاصمة، يكاد الشباب أن يجلسوا في منتصف الطريق. جلسة بطلتها الأركيلة، ومن يقود سيارته عليه مراعاة مزاج الشباب الطيّبين وإلّا...

مساكين ليس لهم من مجالات كثيرة للسّهر والفرفشة في زمن "داعش"، فليسهروا في عرض الشارع.

أتت الكهرباء؟ دار المولد؟ علِق أحدهم في المصعد؟ لعن الله داعش ومن لفّ لفّها.

قضينا في لبنان ما يقرب من أسبوعين. "داعش" كانت الكلمة التي سمعناها أكثر من التحيّة أو السلام. وما أدرانا نحن السيّاح المرفّهون بما يعيشه أهلنا في الوطن من تحدّيات على وقع داعش؟ ما أدرانا نحن الذين نعود في كل عام "للفذلكة" على أهلنا الصامدين هناك؟

ما ضيرنا من أكلة مسمومة أو مواد منتهية الصّلاحية؟ مَن له عمر لا تقطعه شدّة وداعش على الأبواب: "مش وقت النق".

قيادة السيّارة معركة طاحنة تسمع فيها كل أنواع الشتائم ما تعرفه وما ستتعلّمه. داعش على أبواب دارنا  وأنا أشكو قلّة تهذيب شوفيرية بيروت! يا لقلّة تقديري.

عندما يغضب الجار من جاره فيُطلق عليه رشقاً غادراً يرديه  قتيلاً أمام عائلته وأهل الحيّ، علينا دفن رأسنا في الرّمال والتّعامي عن حقيقة أن السّلاح بات لغة التّخاطب الأساسيّة في يوميّاتنا مع القريب والبعيد على حدّ سواء...  وعندما يُجهِز الزّوج على زوجته وينصرف لنفخ سيجارته فوق جثّتها فهذا لا يعني أنّ مجتمعنا بات ينخره السوس وأن موازين الأخلاق انقلبت أو انعدمت، علينا البحث عن طيف وحشٍ على الحدود لإلقاء اللّوم عليه.

بانتهاء أسبوعَي الإجازة انتبهت إلى أنّ كلّ مشاكل لبنان اليوم بسبب داعش... ناس البلد طيّبون، مهذّبون والأخلاق على قفا مين يشيل، هي فقط داعش تسمّم حياة المواطنين وتُخرِجهم عن طورهم "أحياناً". ما أضيق أعيننا نحن المغتربين والسيّاح،  لكثرة ما خالطنا شعوباً مهذبةً ومبتسمةً وراقيةً لم يعد بمقدورنا تحمّل "شويّة" تعصيب.

Tuesday, 19 May 2015

لا، لا تديري خدك الأيسر


 

 

لاحظت قبل أيام طرف جرح صغير في أعلى كتف إبنتي التي لا تتجاوز الرابعة من عمرها.  كانت قد عادت لتوها من المدرسة وعند سؤالي أخبرتني بلغتها الطفولية أن صديقها حاول أخذ اللعبة منها بالقوة فجرحها. أمر طبيعي يحصل في كل المدارس وبين كل الأطفال وهو ما اتصلت المعلمة لاحقاً لقوله والتأكيد عليه. القصة أن "سما" راحت تبرر لهذا الطفل الذي يرافقها في صف الحضانة للسنة الثانية على التوالي بالقول إنه لم يقصد إيذاءها وبإنها ليست غاضبة منه.

هذه القصة على بساطتها أقلقتني وجعلتني أفكر ملياً. هل أوافق ابنتي على مسامحة صديقها سريعاً وأصرف نظر عن الموضوع أم أقتنص الفرصة لأعلم ابنتي أنه ليس من المقبول لأي شخص صغير أو كبير، قريب أو بعيد، أن يلمسها بقصد إيذاءها؟

لربما يعتبر البعض في أن ما أقوله مبالغة، ولربما هذا صحيح. لكن متى وأين هو الحد الفاصل الذي يجب أن تقف فيه الأنثى لردع من يحاول تعنيفها بقصد أو بغير قصد؟

أعذروني على المبالغة... لكنني سأعلّم ابنتي أن من يؤذيها نفسياً أو جسدياً لا يستحق منها ولو نظرة. سأقول لها أن المجتمع الظالم الذي يقبل على نسائه الذل والهوان لا يستحق أن تحترم قوانينه ولا أن تنضوي تحت جناحه. سأخبرها عما شهدته طيلة هذه السنوات: نساء معنفات، مظلومات من أقرب الأقرباء لا يستطعن التحرر من قيودهن بسبب ضغط أقرب الأقرباء...

 سأخبرها عن أن الأنثى تُظلم مرتين، مرة ممن يعنّفها بكلامه أو بقوة ساعديه ومرات ممن يطلب منها السكوت والرضوخ لسطوة القمع. لكن المؤكد أنني سأقول لإبنتي أن من يتجرأ على النيل من أي امرأة مهما كان وضعها الاجتماعي، عزباء كانت أو متزوجة، مطلقة كانت أو أرملة، أو لأي سيدةٍ تعرضت للخيانة على أنواعها ووصمِها بصفات سلبية، إنسان جاهل وسفيه لا يجب الالتفات لرأيه أو أخذه بعين الاعتبار.

سأقول لها أن ظلم بنات جنسها أنفسهن لمن تسوّل لها نفسها أن تتمرد أو تعترض قد يكون أشد مضاضة... فلا يلجُمنّها ذلك. هن الحرات المكسورةُ إرادتهن بفعل التربية والزمن.

سأقول لها: طيري يا "سما" وسع السماء حدودك، أنجبتك بلا قيد فلا تذعني لأي قيد. أنجبتك حرة مكرّمة، شريفة متَوجة فلا تلتفتي لمن يعاملك بأقل من ذلك.

 

Saturday, 11 April 2015

خذوا الحكمة من أفواه الأربعينيين


... وفي الأربعين تأتي الحكمة.
هذا ما سمعته مراراً...  وهذا ما لمسته حقاً عند بلوغي الأربعين.
كنت أعتقد أن الحكمة المقصودة أن تعرف كل شيء وأي شيء.
فوجدت أنها في أن ترضى بمعرفة أنك لا تعرف كل شيء وأي شيء.
وإن كان من نصيحة أقدمها أنا الأربعينية الفخورة لبنات أخواتي، لصديقاتي ولكل من لم تلامس الأربعين بعد، فهي: انتظرن الأربعين!
انتظرنه لأنه العمر الذي سيجعلكن أكثر تصالحاً مع ذواتكن ومع الآخرين.
السبب ليس في أنكن لن تخطئن كالسابق وليس لأن الناس سيصبحون أكثر رقياً وإحساساً،  بل ببساطة لأنكن لن تهتممن بالقدر نفسه.
 وجدت ُ أنا، محدثة الأربعين، أنني أصبحت أكثر قدرة على تجاوز هفوات الآخرين وأخطائهم. ليس تسامحاً وإنما تجاهلاً...
وفي عمر الأربعين وصلت إلى القناعة الذهبية ومفادها أن الحياة مليئة بكل أنواع البشر وليس كما كنت أعتقد سابقا بأنهم إما أشرار وإما طيبون على طول الخط.
ستجدون يا أيها المقبلون والمقبلات على هذا العمر المخضرم  أن الطيب يخطئ، تماما كما ستتعلمون رؤية بعض حسنات "الأشرار".
والأحلى؟ قطعة الحلوى التي ستزين قالب الحلوى في عيدكم الأربعيني؟ هي أن المزعجين أو المتربصين أو التافهين والسخفاء سيختفون وكأن لا وجود لهم! سيمرون إلى جنبكم ومن أمامكم ومن ورائكم وستجدون أن حجاباً من السكينة نزل على قلبكم بحيث تستطيعون تجاهلهم وعدم الإحساس بوجودهم أساساً.
في الأربعين ستشعرون بأن الزمن غفلة وبأنكم على طريق لا رجوع منه. ستحبون أكثر، ستصالحون من يعز عليكم فراقه وسترفسون من لا طاقة لكم على تحمله، فلا وقت لديكم تضيعونه على التفاهات والتافهين.   
هذه هي بعض بركات عمر الأربعين.... انتظروني إن أمدّ الله بعمري لأخبركم عن انطباعاتي ... الخمسينية J

Friday, 13 February 2015

فلذة من الكبد


سأحدّثكم عن "بيين" و"فيوك".

إسمهما صعب ومختلف لأنّهما من فيتنام... "بيين" و"فيوك" توأمان في الثالثة من عمرهما. رقيقتان حتّى العظم، جميلتان على رغم اللون الأصفر الذي يصبغ جلدهما ويدمغهما بمرض جينيّ صعب.

لِمَ أحدّثكم عن هذا التوأم الفيتناميّ وكيف بلَغَتني أخبارهما أصلاً؟

وصلت "بيين" و"فيوك" إلى كندا عام 2012. لم تكن "جوان واغنر" أو زوجها "مايكل" في وارد البحث عن الطفل الأجمل لتبنّيه. لم يكن في بالهما ما يشغلنا عادة عن فكرة الطفل الكامل، الممتلئ صحّة والأشقر ذي العيون الملوّنة. ولم يعمد الزوجان "واغنر" إلى تبنّي الطفلتين المريضتين لأنّهما حرما من نعمة الإنجاب. جوان ومايكل أبوان لخمسة أطفال من صلبهما ولصبيّين آخرين تبنيّاهما أيضاً من فيتنام. مع "بيين و"فيوك" يصل عدد أطفال عائلة "واغنر" إلى تسعة أطفال. هل هذا يجعلهما عائلة كبيرة؟ تتسائل جوان على مدوّنتها الخاصّة، لتجيب ب"لا" قاطعة: "عائلتنا قوس قزح جميل، مزيج رائع من أطفال ولدوا من الجسد، من الروح، ومن القلب".

تفاني هذين الزوجين الكنديّين وتربيتهما الفتاتين كابنتين حقيقيّتين لا لبس فيه. الفتاتان بحاجة لعملية جراحية لزراعة كبد بديل لكبديهما المعطّلين. الفحوص المخبريّة أجازت ل"مايكل" التبرّع بجزء من كبده لإنقاذ حياة إحدى ابنتيه. "جوان" أطلقت حملة إعلاميّة للبحث عن متبرّع آخر ملائم للطفلة الثانية.

وهكذا وصلتني قصّة "بيين" و"فيوك".

أمّا لِمَ أحدّثكم عن الطفلتين؟ لأنّني سألت نفسي عندما قرأت القصّة: هل خُلقت جوان وزوجها من طينة تختلف عنّا؟

كيف لقلبهما أن يتّسع لمحبّة تسعة أطفال ولمداواة فتاتين هشّتين مع ما يرتّبه ذلك من أعباء جسديّة ونفسيّة وماديّة هائلة فيما نعجز نحن؟

مايكل يقدّم اليوم فلذة من كبده لابنة تُعتبر في أعرافنا السائدة "ليست فلذة من كبده".

ربّما حالة "بيين" و"فيوك" حالة استثنائيّة بسبب مرضهما لكنّ ظاهرة التبنّي منتشرة في الغرب عامّة وفي كندا خاصّة بشكل هائل وملموس. حتّى لمن لديه أطفال من صلبه يعتبر التبنّي واجباً ومساهمةً إنسانيّة تجاه الأقلّ حظّاً.

كم من عائلاتنا تعيش حرمانها من الإنجاب بحرقة وبصمت؟ ما العدل في أن نشهد عذاب الحرمان فيما مئات آلاف الأطفال الأصحّاء يجوعون ويموتون قهراً وعذاباً في الشوارع أو حتّى في مؤسّسات تدّعي رعايتهم لتتسوّل باسمهم ثمّ تسرقهم وترميهم عالةً بلا ماضٍ ولا حاضر ولا مستقبل؟

لِمَ أخبركم عن "بيين" و"فيوك"؟ ببساطة لأسأل: لِمَ لا يتمّ تشريع وإجازة وانتشار ثقافة التبنّي في بلداننا؟ بالتأكيد مع ملاحظة كافّة حقوق الطفل المتبنّى في معرفة أصله وصون موروثه الثقافيّ والاجتماعيّ وحتّى الدينيّ. فكّروا بالأمر. لربّما أدخل الأمر بعض السعادة إلى قلب والدين حنونين والكثير من الدفء إلى معدة طفل جائع وجسده.
 
مدونة "جوان واغنر":


رابط صفحتها على الفايسبوك:

Thursday, 29 January 2015

لف تاهور -الطائفة المنبوذة


لا شيء يخرق هدوء الشتاء الكنديّ وسكينته. الثلج هو العنصر الأبرز الذي يرسم الكنديّون على أساسه جلّ تفاصيل حياتهم. لكنّ الوضع كان مختلفاً خلال الشتاء الماضي في إحدى المدن الكنديّة الصغيرة جنوبيّ مقاطعة أونتاريو، حيث فوجئت مدينة شاتام بانتقال مجموعة يهوديّة متشدّدة للعيش فيها.

أسلوب حياة تلك المجموعة، لباسها، وكيفيّة هبوطها على المدينة بين ليلة وضحاها، هزّت السائد في تلك المدينة الريفيّة التي أصبحت فجأة تحت الضوء.

أتوا فجأة، وأثاروا الكثير من الضجّة، ومن ثمّ رحلوا، تاركين خلفهم الكثير من علامات الاستفهام.

اختيار المكان لم يأتِ عبثاً. بدت شاتام المدينة النائية المثالية لمجموعة مثل «لف تاهور»، تهدف الى إعادة تموضعها لحين هدوء الضجّة حولها. ففي منتصف إحدى ليالي شهر تشرين الثاني العام 2013، استأجرت المجموعة المؤلّفة من نحو أربعين عائلة حافلتين كبيرتين، وتركت كلّ شيء وراءها في مقاطعة كيبيك، ممضية ساعات طويلة على الطريق قبل أن تستقرّ في مجمّع من البيوت المستأجرة على أطراف شاتام.

تُروى الكثير من القصص عن عمليّة الهروب المنظّمة تلك، وأسبابها وظروفها، وكلّها تصب في مكان واحد: ثمّة ما يثير الريبة بشأن القادمين الجدد!

لقراءة التحقيق كاملاً كما نُشر في جريدة السفير اللبنانية يمكن الضغط على الرابط التالي: 


ما هي أو من هي "لف تاهور"


ما هي اللغة التي يتحدثون بها  والتي أوجدت بعض الصعوبة في تواصلي معهم


لمحة عن المعارك القانونية لطائفة "لف تاهور" ومؤسسها الحاخام شلومو هلبرانز


ما هو رأي الجماعات اليهوديّة التقليديّة بطائفة "لف تاهور"؟

Thursday, 8 January 2015

الطينة من العجينة




في منطقة الروشة اللبنانيّة وفي نقطة استراتيجيّة، كانت ترتفع يافطة عملاقة كُتب عليها:
 "لبنان وسوريا، شعبٌ واحد في دولتين"
لم أتمعّن سابقاً في جملة الرئيس حافظ الأسد. لربّما شعرت سابقاً أنّها من أبواب الدجل  السياسيّ وكلام الإنشاء المعتاد بين "الشعبين الشقيقين".
فكِّروا بالجملة... كم كان الرجل محقّاً.
الأمثلة  عديدة. آخرها، ولن يكون الأخير بالتأكيد، التقرير السفيه في جريدة "النهار" اللبنانيّة عن السوريّين في شارع الحمرا.
صياغة التقرير، وإن كانت صادمة، إلّا أنّها ليست جديدة لا على بعض الأقلام  اللبنانيّة ولا على بعض الصحف اللبنانيّة و"النهار" أبرزها. قرأنا مقالات كثيرة مشابهة على امتداد مِحَن هذا الوطن. كاتب المقال نفسه كان ليُعَد "غريباً" في بعض المناطق اللبنانيّة إبّان الحرب. لا يهمّ اسمه ولونه، كان ليكون مجرد "محمود" آخر.
أذكر أن إحدى الزميلات استطلعت قبل سنوات طويلة نظرة بعض سكان "المنطقة الشرقية" لأهل "الغربية". تذكرون التسمية بلا شك والتي لم تعنِ الجغرافيا بقدر ما عنت هذا النفَس التقسيميّ ذاته الذي نشهده اليوم. نتيجة الاستطلاع على ما أذكر كانت أنّ "كل أهل الغربيّة نَوَر ويلبسون الكثير من الثياب الملوّنة". يعني "مش Class."
لكن هل يعني ذلك أنّ كلّ أهل الشرقيّة كانوا عنصريّين وأنّ كلّ أهل الغربيّة كانوا ملائكة؟ المؤكّد أنّ لبنان من شماله لجنوبه خلطة عنصريّة وطائفيّة متكاملة.
ما لفتني اليوم وجعلني أتذكّر كلّ هذا التاريخ المريض هو أنّ تعليقات وردود بعض الأخوة السوريّين لم تكن أقلّ عنصريّة من المقال سيّئ الذكر. من السهل تفهّم غضبهم وإحساسهم بالإهانة لكن ليس من السهل تقبّل بعض ما كُتب.

الخلاصة: حافظ الأسد كان على حق. نحن شعب واحد، لا فرق بيننا. نهتف لسياسيين يأكلوننا لحماً ويرموننا عظماً، نطعن بائسينا ونقدس الفاسدين... وانتهى بنا الحال متفرجين على أطلال وطنينا.
فينا الأشقر وفينا الأسمر لكن المؤكّد أن كلينا "نسوّد" الوجه.