Tuesday, 16 September 2014

يوميات من كوكب آخر




فصام (1)

أغادر منزلي صباحاً... المطر يغسل الجو برائحة خضراء منعشة... أطفالي يتوجهون إلى يومهم الدراسي الأول.
جارتي الكندية تروي زهورها وترفع يدها مبتسمة... على الطريق رجل عجوز وكلبه الودود... أراه ينصب لافتة على مدخل حديقته: "أنا أحب كلبي" قاصداً تنبيه السيارات لضرورة تخفيف سرعتهم (الخفيفة أصلاً) حرصاً على حياة رفيقه الجميل.

في طريق العودة أستمع لبرنامجي الإذاعي المفضل. هو اليوم عن سيدة ثمانينية ارتأت أن تنهي حياتها قبل أن يُغيّب الخرف عقلها فتتحول إلى عالة على عائلتها ومجتمعها... سالت دموعي لبكاء زوجها الثمانيني يروي لحظاتها الأخيرة. البرنامج تحول إلى دعوة وطنية للتوعية من ضغوط مرض الألزهايمر على أن يُسمى باسم السيدة التي أزهقت روحها عمداً وتركت كتابات مؤثرة ترصد فيها يوميات تراجع ذاكرتها.


أصل إلى هدوء منزلي. أطالع الأخبار . هناك، في الكوكب الآخر، لا شيء إلا الرؤوس المتطايرة. فنون الذبح بما تيسر من السكاكين. أرى صورة الجندي اللبناني علي السيد يحمل طفلته بسعادة وفخر. 

أشرب القهوة، أعد الطعام، أفكر بعلي المبتسم، ما من دموع أذرفها، فقط فراغ موجع في القلب... أفكر بالسيدة الثمانينية مجدداً... اختارت أن تنهي حياتها ولم يختر علي أي تفصيل من حياته... ما من دموع أذرفها، فقط أنين ضاغط يتردد في الرأس. 

 بعد ساعتين سيعود أطفالي الى البيت. ليس بالطعام وحده يحيا الإنسان، سأغضب إن لم يعزفوا الموسيقى لوقت كاف. 

هل أطالع الأخبار مجدداً أم أعدّ بعض الحلوى؟ 

نعم! أعلم أنني أنعم بهبة الاختيار، وعلى الأرجح أننا سنأكل حلوى طازجة اليوم. لكن ما لا أملكهُ هو السيطرة على ذاك الشعور المستمر بأنني أعيش حياة مزدوجة ضمن عالمين منفصلين، وبأنني... أعاني حالة فصام مرضية.


http://www.deadatnoon.com/