Saturday, 14 May 2016

ذاكرة في دقيقة





 اتصلت بصديقي السوريّ مواسية برحيل والدته فرد عليّ: "هنيئاً لها. تيسّر لها أن تموت في منزلها في زمن التشرد".

هذا ما أصبح عليه أقصى طموحنا. أن نرحل أو يرحل من نحبّ بحدّ أدنى من ذلّ الحروب ومرارة المنافي.
 عبارة صديقي أعادت الى واجهة ذهني صورة كنت أسعى لدفنها ونسيانها.

حرب العام ٢٠٠٦ على لبنان كانت من أقسى الحروب التي شهدتها، وهي كثيرة.

أكثر ما أذكره من تلك الحرب المشؤومة يد أبي المرفوعة لتوديعي عن بعد ودموعه الصامتة.
كنت قد هربت مع ابني الصغير الى حيّ أكثر أمناً في قريتنا في حين لازم والدي منزله رافضاً المغادرة. وعندما سنحت لي الفرصة للهرب مرّت السيارة التي أقلّتني مسرعة الى جانب منزل العائلة فرأيت والدي واقفاً هناك في مكانه المعتاد. دائماً على باب البيت الى جانب الياسمينة المعمّرة. السيارة كانت مسرعة تسابق الجولة المقبلة من القصف عندما التقت عيناي بوجه والدي عبر زجاج الشباك. ارتفعت يده ملوّحة في الهواء وتساقطت دموعه فبدأتُ بالصراخ والعويل ومضت السيارة مسرعة بي وبابني الى بر الأمان البعيد.

كلّ ذلك في أقلّ من دقيقة. دقيقة تعود من غياهب الذاكرة في كلّ فترة لتنكأ الماضي.

أذكر ارتجاج عواميد الغرفة المسماة مجازاً بالملجأ مع صفير كل صاروخ. أذكر هلع الصغار ونهمهم الدائم للطعام ونحن بخوف من أن ينفذ الخبز. أذكر كيف خاطر زوج أختي بحياته ليحضر حليباً إضافياً لابني تحسباً للأسوأ ولمزيد من الأيام والليالي في هذا الحصار المجنون. أذكر كل ذلك، لكن عندما أفكر بتلك الحرب المشؤومة لا أستعيد إلا مشهداً واحداً: يد أبي المرفوعة في الهواء.

بعد شهور قليلة من الحرب عدت إلى لبنان لزيارة أبي. عانقته وتبادلنا الابتسامة لكنّ تلك الدقيقة بقيت أبداً معلّقة بيننا. لم نذكرها، لكنّها كانت هناك، في زوايا المنزل المتفسّخ من القصف وفي طرفات الأعين التعبة وفي ارتعاشة اليدين.

هذه الدقيقة، ما قبلها وما بعدها، تجعلني أفهم عبارة صديقي السوريّ، أتماهى مع خسارته وأبعادها. والمفارقة أنّه في هذا الزمن الذي يعمّ فيه الحقد ويسود الغلّ لا أجد من يشبهني أكثر من صديقي السوري. كلانا اختبر الغربة لأنّ الوطن لم يتّسع لنا ولم يكن قادراً على حمايتنا وحماية أطفالنا. كلانا اختبر لوعة الخسارة عن بعد. كلانا ورده ذلك الاتصال الهاتفيّ البعيد لينعي لنا الفقد الأكبر.
وكلانا خسر وطناً لا طائل من مناجاته بعد اليوم.


No comments:

Post a Comment