Saturday, 3 September 2016

عندما رسمت أمي اسمها




كنت أنظر الى المجلات النسائية بين يدي أمّي بانبهارٍ شديد...
كانت تلك المجلات على قلّتها ملوّنة متوهّجة بالأزياء والنساء الجميلات.
عندما كان يتوفّر لها الوقت، كانت والدتي تقلّب الصفحات باهتمامٍ لافت، فإذا سألتُها عن محتوى إحدى الصور كانت توارب ولا تجيب.
لاحقاً بدأتُ ألاحظ أنّها تضع خطوطاً تحت بعض الأحرف،
كانت ترسم صوراً فوق بعض الكلمات وتهمس قارئةً المجلّة بصوتٍ خفيض.

بشكلٍ متأخّر جداً أدركت أنّ أمّي لم يكن باستطاعتها القراءة.  
كانت تستخدم المجلّات في محاولةٍ منها لتعّلم كلماتٍ جديدة وللتغلّب على هذا القصور الذي أوجعها طيلة فترة حياتها القصيرة.

روت لي مرة كيف كانت تتنازل عن كبريائها المبهر وتذهب الى أحد الجيران ليقرأ أمامها دروس إخوتي وأخواتي وهم صغار ... كانت تحفظ درس القراءة عن ظهر قلب وتعود لتمارس دورها فتطلب من إخوتي قراءة الدرس وتصحّح لهم عندما يخطئون فلا يدركون أنّها لا تعرف فكّ الحرف... كانت تحفظ هيبتها عبر إيهامهم بأنّها ليست أقلّ شأناً ممّن يجيد القراءة.

حسرتها أمام كلّ حرفٍ جعلتني ما أنا عليه اليوم...
حبّها للقراءة وعجزها عن ذلك هو ما جعلني أقرأ عشرات الكتب سرّاً على ضوء مصباح اليد الصغير حتّى ساعات الصباح الأولى...

ضيق الحال كان السبب الرئيسيّ الذي حال دون تعليم والدتي. لكن حتّى من قدر على تعليم أولاده في ذلك الوقت كان يفضّل إرسال الذكور إلى المدرسة فيما مصير الفتيات كان إمّا البقاء في البيت بانتظار زواجٍ مبكرٍ أو الذهاب إلى الحقول أو في أحسن الأحوال إلى معامل الخياطة.

رحلت والدتي بكامل جمالها وأناقتها عن عمر 52 عاماً ولم أكن قد مللت بعد من رؤيتها ترسم أحرف اسمها "سامية" بخطوطٍ ملتويةٍ لكن بحرصٍ ودقةٍ شديدين.

رحلت والدتي لكنّ معركتها الشخصية ما زالت مستمرّة عبر الملايين من الفتيات حول العالم وفي العالم العربيّ على الخصوص، من اللواتي لا تتاح لهنّ فرصٌ عادلةٌ في التعليم.

تقول المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم إن واحداً من كلّ خمسة بالغين في العالم العربيّ أمّيٌّ لا يجيد القراءة والكتابة...

 61% من هؤلاء هنّ من النساء... 

واحدة منهنّ كانت "سامية".




No comments:

Post a Comment