Tuesday, 11 June 2013

حاجز طيار


 

في واحدة من أيام الحرب اللبنانية البشعة كان والدي عائداً إلى البيت في شاحنته المحملة بالبضائع فاستوقفه "حاجز طيار" كما كان يُسمى في ذلك الحين على الطريق الساحلية بين بيروت والجنوب. بطاقة هوية والدي كانت تدينه وكان مرشحاً تلقائياً للقتل لا لشيء اقترفه أو آمن به بل لمجرد كونه مختلفاً عن أرباب ذاك الحاجز بمعتقده الديني. سيق والدي للقتل وخيّل إليه أنه على بعد دقائق من لقاء بارئه.
أبي عاش ثلاثين عاما بعد ذلك اليوم لكنه لم ينسه للحظة، كان يعد كل دقيقة عاشها بعد ذلك اليوم على أنها نعمة مكتسبة.
ما، أو، مَن أنقذ والدي يومها كان طفلاً  لا يتجاوز التاسعة من عمره. صبياً اعتاد أن يرافق والدته في زياراتها العائلية الى قريتها المختلطة دينياً وأن يشتري الحلويات من دكان ملاصق لبيت جده. كان يحب البائع اللطيف المعروف لكل أهل القرية. ركض ذلك الولد يومها ليحضر والدته وينقذ والدي، بائع الدكان في قرية جديه من براثن موت محقق.
لم أكن مع والدي في ذلك اليوم، لكن لكثرة ما روى هذه القصة بت أتخيلها كفيلم سينمائي وغالباً ما أبكي عندما أصل الى مشهد النهاية إذ تتراءى لي تلك السيدة وابنها كملاكين مسيحيين ينقذان جارهما المسلم.
الأخلاق الحميدة والعشرة الطيبة لم تنتف يوما من البشر، لا في عز الحرب الأهلية الماضية ولا في عز الحرب الأهلية الحالية. عندما أقرأ اليوم كتابات تقطر سماً لكنها تتلطى بالحياد على اعتبار انها مجرد ناقل لآراء الآخرين، عندما أتابع شخصيات إعلامية وثقافية ودينية ترطن بلغة بذيئة ومنحطة هدفها الشحن الطائفي والمذهبي وعندما أشهد بأم العين كيف أن كل "عنزة" تعود سريعاً لترتبط عقائدياً واجتماعياً "بكرعوبها"، عندما أصطدم بكل هذه الضحالة الأخلاقية والإنسانية المستشرية والمستترة أحياناً بغلاف رقيق من العفة والتحضر، ألتفت سريعاً الى النماذج المضيئة بين أصدقائي وصديقاتي وهي كثيرة. أتشبث ببراثن هؤلاء الأصدقاء لأحصّن نفسي وأولادي من أتون الكره والجهل. أحياناً  أترقب أصدقاء ومنهم من هُجّرت عائلته أو نكّل بها أو قُتل بعض أفرادها، فلا أجد إلا ترفعاً عن اتهام الكل بجريرة البعض ولا أرى إلا حرصاً على الإنسان في زمن استسهال القتل والقذف والذم.
أمني نفسي بأن هؤلاء الأصدقاء المختلفين عني إما ديناً وإما مذهباً وحتى في بعض الآراء والمواقف السياسية سيحولون دون ذبحي يوماً أنا وأولادي على "حاجز طيار" جديد.
لكن لا أملك إلا أن أسأل: من يحميني ممن يقتلني معنوياً وبشكل يومي بسكين كلماته المسمومة ويتفاخر بأنه لم يرق دماً؟
من يحميني من المثقف المحرِض أو الإعلامي المتاجر بالدم، من السياسي العفن أو المعَمَم الجاهل، من الصديقة أو الصديق والزميلة أو الزميل؟ هم لم يرقوا دمي اليوم لكنهم يهدرونه كل يوم!
 هؤلاء ،عن قصد أو عن جهل، يهاجمون الشعائر لا الموقف السياسي! عن قصد أو عن جهل يبنون على مظاهر شكلية مختلفة ويهملون جوهر العقيدة الواحد ...فلمَ تصرون على حمل وزر دمي يا قتلة؟

سأصلي الليلة كما في كل ليلة، مسبلة اليدين منكبة على التربة الكربلائية علّ رب السماوات التي تشرق على جميع البشر، يرسل لي ملاكاً يصلي عاقد اليدين ينقذني على حاجز طيار كان لبنانياً في سبعينيات القرن الماضي فأصبح عربياً في الألفية الثالثة. ولتحيا القومية العربية فجاهلية الحاضر أثبتت أننا فعلا شعب واحد لم يغادر يوماً سقيفة بني ساعدة.