Friday, 31 March 2023

خمسون... مع سبق الإصرار


هل مثلي من يهرول مقتحماً عمره؟

منذ سنوات أجدني أقول إنّني خمسينية فيستكثرها من يعرف عمري ويمتعضون من ادعاء الكبر

لكنني خمسينيّة منذ سنوات. عشتها وملأتها وشعرتها وفاضت بها أيام الفرح والخيبة والإنجازات والإخفاقات وكلّ الانتصارات الصغيرة

كنت خمسينيّة في كلّ سنوات الشباب. عندما اعتقدت أنّني لن أسقط في الحفرة نفسها وبأنّني صرت أكثر حكمة وقدرة على الحكم فكنت أركض وأركض لأسقط على وجهي في كلّ مرة ومن ثمّ أترفّع لأنتفض وأجدني صرت أكثر صلابة وقدرة على التحمّل

كنت خمسينيّة في تخطيط سنوات التشرّد ورسم ملامح المستقبل بجدّية عجوز تعرف أنّ العمر يمضي فتنسج يوميّاتها حكاياتٍ تخبّئها لدفاتر العمر

لعلّني ما زلت على بعد خطوة واحدة من الخمسين في علم الحساب. لكن لموازين الحياة رأيها وثقلها، وأنا خمسينيّة قبل أن أصلها وخمسينيّة عندما أتجاوزها وخمسينيّة عندما أنظر إلى المرآة فأغوص في ذكريات العمر دفعة واحدة. فالخطّ بين عينيّ له حكاية العند الذي لم أملك التخلّص منه وقد حاولت مراراً، وحاجبيّ التويا من حدّة غضبي عندما كانت تقوم الساعة وتهزّ كياني وأمضي أياماً أحاول فيها ترتيب ثناياي المبعثرة فأفلح مرّة وأفشل مرّات، وماء العينين أمطار جاهزة للتساقط خلسة، لتجفّ بلحظة

أنا خمسينيّة ما زالت تناضل كطفلة لترويض عثراتها وتكلّم نفسها بأنّني غداً سأتعلّم الدرس وأنّني غداً سأردّ الصاع صاعين فيأتي الغد وأجدني الزاهدة في كلّ شيء ما عدا طمأنينة القلب وألق الروح والقلّة الصادقة

أنا الخمسينيّة التي يكفيها أن تضع رأسها بين كفّيها لتبتسم بامتنان. فالكلمة الطيّبة هي التي ستبقى، وتلك التي كان سهمها سامّاً مرّت برداً وسلاماً. فالخمسينيّة تعرف ما لها وما عليها، وتقدّر النعم وتعتزّ بكلّ الامتحانات. تلك التي كانت وتلك التي ستأتي

Wednesday, 4 August 2021

منشور شديد الخصوصية


هي قصّة عائلة عاديّة كغيرها على امتداد هذا الوطن اليتيم.


هما ابتسام ومحمود... وهي سامية بكل ما يحمله هذا الاسم من إرادة وفعل…


هما مكافحان من اليوم الأول.


وهي التي تتحمل اليوم مفاعيل تفجير هزّ البلد.


هما...

مثل أيّ أستاذين في دولتنا الفاشلة، أدّيا قسطهما في زهرة عمرهما وصارا في سن التقاعد، سنّ الراحة وجني ثمار التعب... لم يكن لديهما الكثير من الخطط، ولا حتى أحلام كبيرة أو مستحيلة، جلسة شاي هانئة مع أحفادهما على شرفتهما الجميلة كانت لتكفيهما.


وهي، ابنتهما سامية، المتمرّدة التي لم يظلّلها يوماً جناح سياسيّ أو طائفيّ، أبيّة على المسمّيات الجاهزة والقوالب المفروضة. تسمّي الأشياء بأسمائها ضاربة بعرض الحائط أدبيّات الفتاة الخجولة ومواصفاتها البالية.


هي الثائرة قبل الثورة، والحرّة في بيئتها وخياراتها قبل شعارات الحرّية...

وهي التي وقعت عليها القرعة لتحمل على كتفيها النديين وزر مصيبة بحجم ٤ آب.


وهذه السامية وجدت نفسها فجأة مطالبة بالاختيار: إمّا التحوّل الى ضحيّة تخنع الى تصنيفات المجتمع وترضى بالنصيب، وإمّا الى مقاتلة في معركة فُرضت عليها صوناً لما تبقّى.


زوجها محمد، المهندس العصاميّ أصيب بكورونا في مغتربهم الأفريقي. أُحضر الى لبنان على وجه السرعة لإنقاذ حياته. فُصل بينه وبين عائلته. هو في مستشفى الروم القريبة من مرفأ بيروت وسامية وطفليها في الحجر... مؤشّراته الحيويّة بدأت بالتحسّن صبيحة اليوم المشؤوم، وأمل العائلة كان يرتفع مع كلّ شهيق إضافيّ يدخل رئتيه المتعبتين.


إنفجر المرفأ. طار نصف بيروت، طار محمد عن سريره مسلماً الروح، وكتمت سامية صرختها عندما علمت برحيله عبر نعي مستعجل على الفايس بوك.


كيف لها أن تصرخ وهي وحيدة مع يتيمين لم يعلما بوفاة السند والضحكة والوجه الذي لن يذكراه إلّا من الصور وأقاصيص العائلة. كتمت صرختها.


ففي تلك اللحظة، في عزّ لحظة ترمّلها، إختارت أن تكون المقاتلة، لا الضحية.


سامية تخوض اليوم معركةً برؤوس كثيرة: هي في مواجهة مفتوحة مع فخّ الدولة القاتلة الذي استدرجها من مغتربها ليقتل زوجها في مصير اعتقدا انّهما أفلتا منه بالهجرة. 

ومعركتها تضاعفت كونها امرأة فُرض عليها فجأة الدفاع عن حقّها في وصاية طفليها ورسم حياتهما ومستقبلهما. هي الحرّة الأبيّة التي لا يشبه كبرياءها شيءٌ من روايات النساء الخانعات المستكينات، بات عليها أن تثبت مع مطلع كلّ صباح انّها سيّدة "حسنة السيرة" وأنّها جديرة بتربية أطفالها وأنّها لا تفكّر بصباها الضائع فيما تربة زوجها لم تجفّ بعد! 


أيّ عقول مريضة قد تفرض علينا العيش في هذه الظروف السريالية؟ 

أبَعد القتل قتل؟ أبَعد السرقة سرقة؟ أبَعد الظلم ظلم؟ 


هما ابتسام ومحمود اللذان لم يؤذيا نملة، مشهود لهما من القاصي والداني... وأنا أدين لهما بتربيتي وتنشئتي وتعليمي ودعمي ومحبّتي، هما الرقيقان كفراشة يُراد لهما اليوم أن ينكسرا بتعبهما وبجنى العمر ويُستدرجان عنوةً إلى أروقة المحاكم للمساومة على مستقبل ابنتهما ومصير حفيديهما.


قصّتهما تحمل اسم ابتسام ومحمود، لكن معاناتهما تحمل أسماء كلّ مواطني هذا البلد المكلوم والمنهوب والمقتول.


ألا فهل من ناصرٍ ينصرهما؟

Friday, 2 April 2021

حقائب مرتبة بانتظار الموت

 تلازمني فكرة الموت مؤخرا

ليس بشكل موحش او مخيف بل بما يشبه هوس الترتيب وتنظيم الأمور قبل الرحيل الأكبر

بما يشبه من يتحضر لسفر طويل ويريد التأكد من أنه لم ينس ورقة، لم يترك منشفة في الغسالة وثلاجته ليست عامرة فتصدأ ويتعفن الطعام

لكن أكثر ما يُلّح عليّ في هذه الفكرة الزنانة هو فعل الاشتياق

أفكر بابنتي كثيرا وأحزن لأنها ستشتاق لي كما اشتقت لأمي وأوجعني رحيلها، واخاف عليها من وحدتها بلا شقيقة او رفيقة درب. اشتريت لها دفترا وكتبت فيه بعض أعز وصفاتي لعلها ستستعيد معها نفسي في الطبخ

أعانقها بشدة، فأوجعها وأريدها أن تتذكر ضمتي وقبلتي ورائحتي

أكتب فكرة فيخيل لي ابني يقرأها، فتتحول الفكرة العابرة إلى هم أريد صقله ليليق بفكر ولديّ بعد سنوات من الآن 

أرسم لوحة وأراها من خلال عيون أولادي مستقبلا،، فأتغاضى عن عدم اتقان ٍفي ضرب ريشاتها.. من المؤكد سيقدرونها على هفواتها لأن أمهم رسمتها

أو ربما لا... لا أعلم

لو كان الموت غرفة ملاصقة لحياتنا الحالية، لو كان بعدا موازيا، لو كان امتدادا لما نحن فيه، لأردته مع القدرة على اللمس، القدرة على الشم

لو كان عدماً، لأردته مع ذاكرة. لأن كل ما عشته في هذه الحياة. كل ما شهدته وملكته جدير بأن أتذكره وأن أفرح فيه وأن أشكر الخالق على منحه وبركاته

الحمدلله عدد خلقه وزنة عرشه ومداد كلماته. الحمدلله دائما وأبدا

Friday, 5 March 2021

معارك تافهة

 

 

فن اختيار المعركة...

قد تستغربون القول إن الحياة معركة مستمرة... لكنها فعلاً كذلك!

نحن في مهمة يومية للاستمرار، نجر حياتنا من يوم إلى يوم، رغم القلق، رغم العثرات ورغم الخيبات مهما كبرت أو صغرت.

وأنا على مشارف السادسة والأربعين انتبهت إلى أنني لم أحسن اختيار معاركي..

لعله اكتشاف متأخر لكنه جزء من عملية التعلم المستمرة قبل أن تسقط ورقتنا.

ونحن كما تعلمون لا نملك ترف اختيار خوض غمار معركة أو الهروب منها. لا، هذا الترف غير موجود...

 ولو حاولتم وتقاعستم وتخاذلتم ستقفز أمامكم أحيانا بعض الخيارات التي ستفرض عليكم اتخاذ القرار الذي سيودي بكم إلى المعركة شئتم أم أبيتم...

ما وجدته بعد خبرة عسيرة أن الوقوف بوجه العاصفة هو أسهل الحلول

 التأجيل والتسويف والمماطلة لن يفلح سوى في هدر طاقتكم بلا جدوى... بعد ذلك ستكونون على مفترق طرق يحتم عليكم اختيار سبل المواجهة...

وأنا صرفت الكثير من الطاقة والجهد وساعات حياتي الثمينة في معارك لا تستحق، على أناس لا يستحقون، لأسباب ليست بذات جدوى...

ولو قدر لي أن أواجه من جديد:  لاتخذت مسافة ً، لكنت عدت خطوات الى الوراء وسألت نفسي:

هل المعركة تستحق؟

هل الشخص المواجه لي على قدري؟

ما الذي سأجنيه في ميزان الربح والخسارة من هذه المواجهة؟

بعدها كنت لأقرر:

 إذا كانت المعركة بأسبابها وأطرافها جديرة بالاستمرار، لشمّرت عن ساعديّ وخضت غمارها بيديّ وأسناني...

وإن ثبت العكس، لابتسمت واحدة من ابتساماتي الصفراء الواسعة، لأخذت نفساً بطيئاً وابتعدت بهدوء المتعالي الذي يعرف أن الجيفة وراءه لا تستحق مجرد الفكرة العابرة.

يا لهذه الساعات الثمينة، كم أهدرتها في معارك تافهة

يا لتلك الابتسامات الصفراء كم كنت ضنينة بها في عز الحاجة إليها

على أبواب السادسة والأربعين يا أهلا بالمعارك... لكن: فقط المستحقة منها!

 

Saturday, 1 August 2020

... خسائر متراكمة


في طرف عيني دمعة أشدّ عليها وأمنعها من السقوط فأنتبه إلى أنّني استبدلتها بالشدّ على أسناني
فيوقفني الوجع...

 وهل وجع الفكّ أشدّ إيلاماً من وجع الروح؟


هذا نحن لبنانيون في الغربة، نُراكِم الوجع والخيبات والخسارات... وهل بعد من خسارة نخسرها؟

حتى الكلام بات محسوباً علينا... إذا سكتنا، فنحن لا نشعر بآلام المسجونين تحت رحمة منظومة مجرمة. وإذا تكلّمنا حُسِب علينا أنّنا نعيش في نعيم من الكهرباء واللحمة...

واليوم أرواحنا هناك في قعر الهاوية ...وأجسادنا ما زالت في الخارج... نشدّ عليها كلّ يوم لتكافح ولتبقى ولتستمرّ رغم الظروف القاهرة.


وكل يوم يمرّ، نُراكِم الوجع والخيبة والخسارة. خسارة الأمل أصعبها، وخسارة جنى العمر أسهلها.

حياتنا حتى الآن كانت عبارة عن أفراح مؤجلة.

نؤجّل العيد فنمضيه كأيّ يوم عطلة. نذهب الى المطعم من أجل وجبة بلا روح ونعود بانتظار العيد الذي سنمضيه هناك حيث الروح.

نراكم الوقت في الغربة وكأنه غير محسوب من عمرنا.

نرتّبه ساعةً فوق ساعةٍ في صندوق مقفل نصرف منه بعض الساعات مع إجازة كلّ صيف وباقي الساعات نتركها آمنة في الصندوق مع خطط لاستخدامها عندما تنتهي الغربة..
نقتصد بها ليوم لا بد سيأتي عندما سنجلس أخيراً في ظلّ داليةٍ وارفة على أطراف منزل العمر الذي لم نبنه بعد...

هذا نحن، رحلة انتظارٍ طويلة، تبدأ بخطة من ثلاث الى خمس سنوات على الأكثر، فينتهي العمر وتتعب الأحلام ويكبر الأولاد ولا تنتهي السنوات الخمس.

هذا نحن، نحن الذين تغبطوننا على هروبنا من جحيم وطن أنتم قدّستم فاسديه وكبّرتم ناهبيه ونحن كنّا ننظر اليكم من الخارج، نرسل عرق جبيننا  ليسند خيبات الوطن ونصمت مخافة معايرتنا بأنّ من يده بالنار ليس كمن يجلس في نعيم من الكهرباء والقانون واحترام حقوق الانسان.

 وصمتنا بالفعل... غبنا عن جنازات لم نلمس فيها وجه أهلنا لمرة اخيرة فذرفنا دمعة ً ميتة في غرف خلَت من المعزّين... وفوّتنا أفراحاً كثيرة زفت صغار العائلة الذين كبروا على حين غرة..

 أجّلنا الحزن والفرح ليوم تنتهي الغربة، وصحونا يوماً لنجد أن الوطن انتهى...الحلم انتهى..
 لكن الغربة مستمرة...

Wednesday, 3 June 2020

... على الحافة


على حافة الهاوية تماماً، أو على حافة الموت.. تتكثف أحاسيسنا كبشر.

شعور العيش على الحافة لا يخلق أحاسيس من العدم بل يعزز ما نملكه بالفعل...
في عز الأزمة يطفو جوهر كل شخص الى السطح:
نرى الحسن أكثر حسنا لعز حاجتنا إليه وننفر من البغيض أكثر فأكثر لغياب القدرة على تحمله.

الأزمة، أي أزمة تجعلنا نقدّر المعدن الأصيل

والمعادلة نفسها تنطبق على السيئ. الأزمات لا تجعله سيئاً... هي فقط تجعله يكشف الغطاء عن مساوئه بفجاجة أكبر

هذه الكورونا لن تكون درسا عابرا في حياتنا بالتأكيد

سننظر اليها ربما بعد شهور وسنوات، وسنجدها فرصة ثمينة أعادت تقييم أولوياتنا وعلاقاتنا وفق ميزان دقيق.
من يشبهنا سيتشبث بنا وسيرفعنا معه الى ما فوق غبار العاصفة،
ومن سيكشف عن وجهه الأغبر سيسقط من حساباتنا.
هذه هي الحياة.. ستخضعنا دائما الى الامتحان تلو الآخر والإجابة ستكون في كل مرة واحدة: هي الأخلاق!

وصدق من قال: كل إناء بما فيه ينضح

Friday, 1 March 2019

داء التفاهة


حدثوني عن التفاهة!

تلك الآفة التي تلطمنا فجأة بلا حول ومنا ولا قوة...

كلنا نعيش لحظات حياتنا مقسومة بين سعادة وحزن. ما من حزن دائم وما من سعادة مستمرة.
وكلنا نعيش لحظات الخفة. مهما كانت ظروفنا جدية، تمر بنا لحظات الخفة فنستحلي اقتناصها والتمتع بها.
ولا ضير في الخفة.

لكن نلتقي أحيانا من يستخدم الخفة والتفاهة منهجاً في حياته... وهذا شأنه ولا ضير في ذلك.

أما الضير كل الضير ففي أن يحاول هذا "الخفيف" فرض تفاهته على من حوله، أن يمرر خفته المستفزة على من لا يشاركونه قناعاته وأسلوبه.

فمهما عودنا أنفسنا على تقبل الآخر وعدم الحكم على البشر بمن فيهم التافهين سنصل ولا بد الى مرحلة سنعجز فيها عن تحمل جرعة زائدة من التفاهة.

ولكم ان تتخيلوا أن يُفرَض علينا مشاركة مساحتنا المهنية أو الشخصية الثمينة مع بحر من التفاهة...
سنرى هؤلاء وعلى حين غرة يحشرون أنوفهم في يومياتنا وينجحون في الإطلال برؤوسهم الصغيرة بين أحداث تعني لنا الكثير وبين أشخاص يعنون لنا الكثير.

مرة بعد مرة. التجربة بعد الأخرى، سيبدو التجاهل وكأنه الحل الأمثل للتخلص من هذه الضوضاء لكن تراكم التفاهة سيوصلنا الى مرحلة الانفجار حيث يفقد التجاهل مغزاه وهدفه.

فعلاً صدق من قال: لكل داء دواء... إلا التفاهة، أعيت من يداويها


Friday, 21 October 2016

أين ذهبت اللطيفات؟



عندما كتبتُ قبل عامين أو ثلاثة عن بلوغي سنّ الأربعين، سنّ الاكتفاء والحكمة، لم أكن أعي أنّ هذا العمر ينبئ أيضاً بوضع ستارٍ ما بين "جيلي" ومن هنّ أصغر سنّاً.

من الصعب على من هنّ مثلي في هذا العمر الوسط النظر إلى المرآة وتحديد لأي فئة عمريّة ينتمين.
لسنا بالتأكيد يافعات، ولا نريد ذلك فقد تعبنا لنصل إلى هذه المرحلة بحلوها ومرّها، لكنّنا أيضاً لسنا بمثل من نظنّ أنّ عليه جدّاتنا وأمّهاتنا وقد بلغن من العمر عتيّاً.

حالنا من حال من هم في سنّ المراهقة، لا طفولة كاملة ولا رجولة أو أنوثة طافحة. نحن ما بين بين.

وفي منتصف هذا العمر نلتقي بمن هنّ أصغر ولا نملك إلّا أن نجري هذه المقارنة: كم يشبهننا قبل سنوات؟

التعميم لا يصيب دائماً... لكنّني بدأت ألاحظ منذ فترة بأنّني لم أعد ألتقي بمَن يشبهننا أنا وصديقاتي. كنّا يافعات فينا من الطموح والتمرّد الكثير، لكنّنا أيضاً كنّا نتحلّى بالالتزام وبالحماس لقضايا عامّة. كنّا (وما زلنا) مثابرات وحريصات على النجاح لكن أيضاً كنّا (وما زلنا) نتحلّى بالحنان والشغف.

فتيات اليوم يرغبن بكل شيء ولا أقلّ من ذلك. يردن النجاح المهنيّ ويردن الزوج الثريّ ويردن الجسم الرشيق المثاليّ ويردن الحياة الاجتماعيّة النشطة.... يردن كلّ ذلك وفي سبيل الوصول إليه لا مانع من بعض الخسائر "العابرة".

هذه الخسائر لا تلتفت اليها صبايا اليوم في خضمّ المنافسة: في العمل، في صالات الرياضة، وحتّى على الطريق. لاحظوا مثلاً أنّ السائق الذكر يتساهل أكثر على الطريق من الأنثى التي قلّما تفسح المجال لمرور سيّارة أخرى. ولاحظوا أيضاً عزوف النساء عن الاقتراع لنساء مثلهنّ في المناصب العامّة رغم حاجتهنّ الماسّة لمن يمثّلهنّ في المراكز القياديّة.

التاريخ الطويل والمضني من التمييز بحقّ النساء جعلنا نربّي بناتنا على خوض الحروب الدائمة. بدءاً من جسدهنّ بحيث لا يتحمّلن كيلوغراماً زائداً أو تجعيدة غير مشدودة مروراً بكيفية التعامل مع زملائهنّ في العمل وصولاً الى علاقاتهنّ بالرجل.

حربٌ دائمة جعلت من اللطف ضعفاً ومن التواضع مذمّةً ومن الابتسامة سلعةً تحضر وتغيب بحسب المصلحة.

وفي المعمعة لعلّ الغائب الأكبر هو السلام الداخليّ الذي يترك المجال واسعاً لقواعد السوق الجديدة: إناث بلاستيكيّات، جميلات قالباً، باردات قلباً، حاضرات دائماً لأيّ تحدٍّ طالما أنّه لا يتضمّن لطفاً صادقاً يشعّ من حنايا القلب ومن ومضات العيون.



Saturday, 3 September 2016

عندما رسمت أمي اسمها




كنت أنظر الى المجلات النسائية بين يدي أمّي بانبهارٍ شديد...
كانت تلك المجلات على قلّتها ملوّنة متوهّجة بالأزياء والنساء الجميلات.
عندما كان يتوفّر لها الوقت، كانت والدتي تقلّب الصفحات باهتمامٍ لافت، فإذا سألتُها عن محتوى إحدى الصور كانت توارب ولا تجيب.
لاحقاً بدأتُ ألاحظ أنّها تضع خطوطاً تحت بعض الأحرف،
كانت ترسم صوراً فوق بعض الكلمات وتهمس قارئةً المجلّة بصوتٍ خفيض.

بشكلٍ متأخّر جداً أدركت أنّ أمّي لم يكن باستطاعتها القراءة.  
كانت تستخدم المجلّات في محاولةٍ منها لتعّلم كلماتٍ جديدة وللتغلّب على هذا القصور الذي أوجعها طيلة فترة حياتها القصيرة.

روت لي مرة كيف كانت تتنازل عن كبريائها المبهر وتذهب الى أحد الجيران ليقرأ أمامها دروس إخوتي وأخواتي وهم صغار ... كانت تحفظ درس القراءة عن ظهر قلب وتعود لتمارس دورها فتطلب من إخوتي قراءة الدرس وتصحّح لهم عندما يخطئون فلا يدركون أنّها لا تعرف فكّ الحرف... كانت تحفظ هيبتها عبر إيهامهم بأنّها ليست أقلّ شأناً ممّن يجيد القراءة.

حسرتها أمام كلّ حرفٍ جعلتني ما أنا عليه اليوم...
حبّها للقراءة وعجزها عن ذلك هو ما جعلني أقرأ عشرات الكتب سرّاً على ضوء مصباح اليد الصغير حتّى ساعات الصباح الأولى...

ضيق الحال كان السبب الرئيسيّ الذي حال دون تعليم والدتي. لكن حتّى من قدر على تعليم أولاده في ذلك الوقت كان يفضّل إرسال الذكور إلى المدرسة فيما مصير الفتيات كان إمّا البقاء في البيت بانتظار زواجٍ مبكرٍ أو الذهاب إلى الحقول أو في أحسن الأحوال إلى معامل الخياطة.

رحلت والدتي بكامل جمالها وأناقتها عن عمر 52 عاماً ولم أكن قد مللت بعد من رؤيتها ترسم أحرف اسمها "سامية" بخطوطٍ ملتويةٍ لكن بحرصٍ ودقةٍ شديدين.

رحلت والدتي لكنّ معركتها الشخصية ما زالت مستمرّة عبر الملايين من الفتيات حول العالم وفي العالم العربيّ على الخصوص، من اللواتي لا تتاح لهنّ فرصٌ عادلةٌ في التعليم.

تقول المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم إن واحداً من كلّ خمسة بالغين في العالم العربيّ أمّيٌّ لا يجيد القراءة والكتابة...

 61% من هؤلاء هنّ من النساء... 

واحدة منهنّ كانت "سامية".




Friday, 29 July 2016

عندما تُكسر المرايا



كلّما عدت إلى لبنان في زيارة خاطفة يُلحّ عليّ هذا السؤال:
"ما ومَن الذي يحدّد مقاييس الجمال؟"


أمّا سبب إلحاح السؤال فليس فقط للقوالب التي أجد أنّ عدداً هائلاً من اللبنانيات قد طُبعن عليها، بل أيضاً لكيفيّة حكمهم على أشكالنا نحن القادمين من الغربة، أي من خارج غرفة عمليّات التجميل الوطنيّة.


بتُّ أتحاشى عند زيارة لبنان أن أذهب للتبضّع أو لشراء الملابس أو استشارة أخصائيّي التجميل. فأنا التي زرت عدداً لا بأس به من الدول والتي عاشرت جنسياتٍ وأطيافاً مختلفة أشعر بالرهبة من التعاطي مع مواطنيّ التجار على أنواعهم. النظرة الفوقيّة التي يرمقون فيها البشر وكيفيّة تقييمهم السافر لحقيبتي ولساعة يدي ولمجوهراتي ليقرّروا بعدها طريقة تعاملهم معي، هذه النظرة ترعبني ومن ثمّ تستفزّني فأتحوّل بدوري إلى شخصٍ سلبي يتململ من وجوده عنوة تحت المجهر.


عندما حلّ دوري مثلاً في أحد صالونات التجميل اللبنانية نظرت إليّ خبيرة التجميل بقرف وحسرة: "ليه هيك؟" .. و"الهيك" هو أنّ حواجبي ليست حسب دفتر الشروط اللبنانيّ... للأسف حواجبي ليست مفتوحة خط عرض أفقيّ بطول الأوتوستراد... والكارثة؟ شفاهي لم تنفجر "بعد" لتنفلش على كامل وجهي...


طبعاً كلّ ما طلبتُ تنفيذه من تلك "الخبيرة" كان "موضة قديمة" ولم تبالِ للحظة بذوقي وبما اعتبرتُ أنه يليق بي وبالمناسبة التي سأحضرها. عاملتني كقاصر وهي البالغة الأدرى بمصلحتي، وبالقوّة. الأمر نفسه تكرّر مع مزيّن الشعر الذي لم يحترم بالطبع لا الوقت ولا الموعد ولا الزبائن ولا أيّاً من البديهيّات الأخلاقيّة في أيّ عُرف.


هل تملك بعض السيّدات مرايا في منازلهنّ؟ والأهمّ: هل تنظرن إليها؟ وكيف يمكن لهنّ أن يقتنعن بأنّ الجمال يكمن فقط في الحواجب العريضة، اللامعة وغير الطبيعيّة؟ أو أنّ الأناقة لا تكتمل بلا الحقيبة الشهيرة نفسها حتّى ولو كانت مقلّدة وبلاستيكيّة وتبدو رخيصة للغاية؟


الخلاصة؟ عندما أزور لبنان أشعر بالغربة أكثر من وجودي بالغربة. أنا البطّة السوداء في جنّة البلاستيك الوطنية.

*للتوضيح: قد أعمد يوماً إلى بعض الأساليب التجميليّة للتحايل على العمر وآثاره المحبطة وحتّى لا أتّهم بالنفاق أوضح بأنّني أتحدّث هنا عن المبالغة والتقليد الأعمى وليس عن التجميل بذاته.

Saturday, 14 May 2016

ذاكرة في دقيقة



 اتصلت بصديقي السوريّ مواسية برحيل والدته فرد عليّ: "هنيئاً لها. تيسّر لها أن تموت في منزلها في زمن التشرد".

هذا ما أصبح عليه أقصى طموحنا. أن نرحل أو يرحل من نحبّ بحدّ أدنى من ذلّ الحروب ومرارة المنافي.
 عبارة صديقي أعادت الى واجهة ذهني صورة كنت أسعى لدفنها ونسيانها.

حرب العام ٢٠٠٦ على لبنان كانت من أقسى الحروب التي شهدتها، وهي كثيرة.

أكثر ما أذكره من تلك الحرب المشؤومة يد أبي المرفوعة لتوديعي عن بعد ودموعه الصامتة.
كنت قد هربت مع ابني الصغير الى حيّ أكثر أمناً في قريتنا في حين لازم والدي منزله رافضاً المغادرة. وعندما سنحت لي الفرصة للهرب مرّت السيارة التي أقلّتني مسرعة الى جانب منزل العائلة فرأيت والدي واقفاً هناك في مكانه المعتاد. دائماً على باب البيت الى جانب الياسمينة المعمّرة. السيارة كانت مسرعة تسابق الجولة المقبلة من القصف عندما التقت عيناي بوجه والدي عبر زجاج الشباك. ارتفعت يده ملوّحة في الهواء وتساقطت دموعه فبدأتُ بالصراخ والعويل ومضت السيارة مسرعة بي وبابني الى بر الأمان البعيد.

كلّ ذلك في أقلّ من دقيقة. دقيقة تعود من غياهب الذاكرة في كلّ فترة لتنكأ الماضي.

أذكر ارتجاج عواميد الغرفة المسماة مجازاً بالملجأ مع صفير كل صاروخ. أذكر هلع الصغار ونهمهم الدائم للطعام ونحن بخوف من أن ينفذ الخبز. أذكر كيف خاطر زوج أختي بحياته ليحضر حليباً إضافياً لابني تحسباً للأسوأ ولمزيد من الأيام والليالي في هذا الحصار المجنون. أذكر كل ذلك، لكن عندما أفكر بتلك الحرب المشؤومة لا أستعيد إلا مشهداً واحداً: يد أبي المرفوعة في الهواء.

بعد شهور قليلة من الحرب عدت إلى لبنان لزيارة أبي. عانقته وتبادلنا الابتسامة لكنّ تلك الدقيقة بقيت أبداً معلّقة بيننا. لم نذكرها، لكنّها كانت هناك، في زوايا المنزل المتفسّخ من القصف وفي طرفات الأعين التعبة وفي ارتعاشة اليدين.

هذه الدقيقة، ما قبلها وما بعدها، تجعلني أفهم عبارة صديقي السوريّ، أتماهى مع خسارته وأبعادها. والمفارقة أنّه في هذا الزمن الذي يعمّ فيه الحقد ويسود الغلّ لا أجد من يشبهني أكثر من صديقي السوري. كلانا اختبر الغربة لأنّ الوطن لم يتّسع لنا ولم يكن قادراً على حمايتنا وحماية أطفالنا. كلانا اختبر لوعة الخسارة عن بعد. كلانا ورده ذلك الاتصال الهاتفيّ البعيد لينعي لنا الفقد الأكبر.
وكلانا خسر وطناً لا طائل من مناجاته بعد اليوم.


Wednesday, 16 March 2016

... عاصفة من الهدوء



قالت لي صديقتي إنني أصبحت أكثر هدوءاً. ما كنت لأوافقها أكثر.

الهدوء هو آليتنا الدفاعية الوحيدة في مواجهة كل هذا الجنون المحيط بنا، الهدوء هو إجابتنا الممكنة الوحيدة على هذا الإحساس المتعاظم بالعجز.

عندما أضع رأسي على المخدة لأنام ليلاً تتقد عشرات الأفكار في رأسي.

أفكر وأفكر... في جنون الهوية الذي يشطرنا أدياناً ومذاهب، أعراقاً وإثنيات، قناعات وأيديولوجيات لكنه يمحي حقيقتنا الأوحد: إنسانيتنا.

أفكر بمدى صحة خياراتي التي ستترك أطفالي وأحفادي هجيني الإنتماء بين عالمين أو أكثر.

أفكر بيومي وبغدي وما بعد بعده.

أفكر بمهنتي التي دفنت قلبها وأصبحت مجرد يد تغرز الخنجر عميقاً في أي جرح مفتوح.

أفكر بالطفل الذي رأيته عبر الشاشة يطوف شوارع بلده عارياً من الملبس والعطف ولقمة الطعام.

أفكر في الأهل الذين يضعون أطفالهم في زوارق اللجوء غير عارفين: هل سيكون الزورق كفنهم أم طوق نجاتهم.

أفكر في الدموع المكابرة في عيني الرجل السبعيني الذي نظر إلى ركام منزله في حمص فتراءى له عمره المهدور كداً وتعباً لرفع جدران منزل انهار بلحظةِ حربٍ عبثية. ذكّرني الرجل المسن بأبي وبعشرات المرات الذي رأيته في هذا الوضع المغلوب على أمره...

لم يستطع أهلي شيئاً أمام هول الأحداث التي توالت علينا، لم يكونوا يوماً عنصراً مؤثراً في المعادلة التي تحكم عالمنا... كانوا كما نحن اليوم، مجرد أرقام وأسماء تتقاذفها الأهواء والمصالح...

لم يستطيعوا ولن نستطع شيئاً... نفعل كما فعلوا، نضع رأسنا بين الرؤوس ونصلي ألا يكون رأسنا هو التالي في لعبة الفيلة...

أرتب الوسادة جيداً تحت رأسي، أغمض عينيّ وأفكر:
بإبني وبعزفه المتقن على البيانو ...

تبدو هذه الحياة فجأة نابضة بالكثير من الاحتمالات. هذا ما كانت عليه وهذا ما ستبقى عليه دائماً.

أشعر بفكرة جديدة تصارع لتحتل الصدارة ... أبعدها بهدوء... وأنام ملء جفنيّ.